عبد الرحمن السهيلي

234

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

أبو حنيفة . وقوله : وضالة ، أي : سهام قداحها من الضال ، وهو السدر . قال الشاعر ذو الرمة : قطعت إذا تخوّفت العواطي * ضروب السّدر عبرياً وضالا فالعبري منها ما كان على شطوط الأنهار ، والضال ما كان في البرية ، والعواطي هي الماشية تعطو أي تتناول ، وإنما تتناول أطراف الشجر في الصيف ، فمعناه : قطعت هذه الصحراء في هذا الوقت ، وتخوفت : أي تنقضت من قوله سبحانه : « أو يأخذَهم على تَخَوُّفٍ » النحل . وذكر أن حجير بن أبي إهاب هو الذي اشترى خبيباً ، وكان خبيب قد قتل الحارث بن نوفل أخا حجير لأمه ، وقال معمر بن راشد : اشترى خبيباً بنو الحارث بن نوفل ، لأنه قتل أباهم يوم بدر ، والمعنى قريب مما ذكر ابن إسحاق . وقوله : ماوية بنت حجير بالواو ، رواه يونس بن بكير عن ابن إسحاق ، ورواه غيره عن ابن إسحاق : مارية بالراء ، وبالواو وقع في النسخ العتيقة من رواية ابن هشام ، كما رواه ابن بكير ، وقد تكلمنا عن اشتقاق هذا الاسم في صدر هذا الكتاب ، فأغنى عن إعادته ، وذكرنا أن المارية بالتخفيف هي البقرة ، وبتشديد الياء : القطاة الملساء ، وأما الغلام الذي أعطته المدية ، فقيل : هو أبو عيسى بن الحارث بن عدي بن نوفل بن عبد مناف ، قاله الزبير ، وهو جد عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين الذي يروي عنه مالك في الموطأ . وذكر أن أبا ميسرة هو الذي طعن خبيباً في الخشبة ، وهو أبو ميسرة بن عوف بن السباق بن عبد الدار ، والذي طعنه معه عقبة بن الحارث يكنى أبا سروعة ، ويقال : إن أبا سروعة وعقبة أخوان أسلما جميعاً ولعقبة بن الحارث حديث واحد في الرضاع ، وشهادة امرأة واحدة فيه . وحديثه مشهور في الصحاح ، فيه أنه قال : تزوجت بنت أبي إهاب بن عزيز ، فجاءت امرأة ، سوداء ، فقالت : إني قد أرضعتكما ، وذكر الحديث وزاد فيه الدارقطني قال : جاءت امرأة سوداء تسأل ، فلم نعطها شيئاً ، فقالت : إني والله أرضعتكما ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وقال : إنها كاذبة يا رسول الله ، فقال له عليه السلام : كيف ؟ وقد قيل : فطلقها ، ونكحت ضريب بن الحارث ، فولدت له أم قتال ، وهي امرأة جبير بن مطعم ، وأم ابنه محمد ، ونافع ابنا جابر ، واسم هذه المرأة التي طلقها عقبة : غنية ، وتكنى أم يحيى ، ذكر اسمها أبو الحسن الدارقطني في المؤتلف والمختلف ، ولم يذكره أبو عمر في كتاب النساء ، ولا كثير ممن ألف في الحديث . وذكر قصة عاصم حين حمته الدبر . الدبر ها هنا : الزنابير ، وأما الدبر فصغار الجراد ، ومنه يقال : ماء دبر قاله أبو حنيفة ، قال : وقد يقال للنحل أيضاً : دبر بفتح الدال واحدتها دبرة ، قال : ويقال له : خشرم ، ولا واحد له من لفظه ، هذه رواية أبي عبيد عن الأصمعي ، ورواية غيره عنه أن واحدته : خشرمة . والثول جماعة النحل أيضاً ، ولا واحد لها ، وكذلك النوب واللوب . ومن اللوب : حديث زبان بن قسور ، قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو نازل بوادي الشوحط فكلمته ، فقلت : يا رسول الله إن معنا لوباً لنا يعني نحلاً كانت في عيلم لنا به طرم وشمع ، فجاء رجل فضرب ميتين فأنتج حياً ، وكفته بالتمام ، يعني ناراً من زندين ، ونحسه يعني : دخنه ، فطار اللوب هارباً ، ودلى مشواره في العيلم فاشتار العسل ، فمضى به ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ملعون ملعون من سرق وقوم ، فأضر بهم ، أفلا تبعتم أثره ، وعرفتم خبره ؟ قال : قلت : يا رسول الله إنه دخل في قوم لهم منعة ، وهم جيراننا من هذيل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : صبرك صبرك ترد نهر الجنة ، وإن سعته كما بين اللقيفة والسحيقة يتسبسب جرياً بعسل صاف من قذاه ما تقياه لوب ، ولا مجه ثوب . فالعيلم البئر ، وأراد بها ها هنا قبة النحل أو الخلية ، وقد يقال لموضع النحل إذا كان صدعاً في جبل : شيق ، وجمعه : شيقان ، ويقال : لكل دخان نحاس ، ولا يقال : أيام إلا لدخان النحل خاصة ، يقال : آمها يؤومها إذا دخنها ، قاله أبو حنيفة .